-->
U3F1ZWV6ZTE4NDk2NDEyNzMxX0FjdGl2YXRpb24yMDk1Mzg4Mzg2NjQ=
recent
أخبار ساخنة

لا تصدقوا الأكاذيب الروسية ولا هلوسات المعارضة السورية حول رحيل الأسد



كتب علي سفر
في فيلم(the invention of lying -2009) الذي أخرجه وأدى شخصيته الرئيسة (مارك بيلسون) النجمُ البريطاني ريكي غريفيث، ثمة عالَمٌ لا يعرفُ الناسُ فيه قولاً سوى الصدق. إنهم يعبّرون عن مشاعرهم وحاجاتهم دون توريات أو مجازات.




لكن بطل الحكاية يفقد عمله ككاتب سيناريو بسبب فشله في تحقيق النجاح المطلوب، وعندما يضطر لسحب رصيده غير الكافي من البنك كي يدفع أجرة البيت يكتشفُ أن باستطاعته سحب مبلغ أكبر مما يمتلكه فعلياً، ذلك أن كلامه بالنسبة لموظفة البنك أصدقُ من الرقم الذي تظهره شاشة الكومبيوتر!
لقد اكتشف مارك شيئاً جديداً لم يعرفهُ العالم من قبل هو الكذب! وحين تحتضر أمه في المشفى، وأمام قسوة ما يقوله العلم عن أن لا شيء يعقب الموت سوى العدم، يقدح ذهن الابن بفكرة ستغير العالم كله ضمن حكاية الفيلم، تقول إن هناك حياة أخرى تنتظر الروح، قوامها السعادة مع الأحبة وقصرٌ منيفٌ يعيش فيه الطيبون إلى الأبد!
لقد اضطر مارك للكذب في المرة الأولى لكي يؤمن حاجته من المال، ولكنه ذهب في خياله بعيداً في المرة الثانية لكي يُبهج المرأة المحتضرة، من دون أن تتسبب حكايته عن الآخرة بأذية أحد!





في توصيف فعلته هذه وبالتنقيب في “تاريخ الكذب” كما دوّنه وحلله جاك دريدا، سنجد في السياق أن جان جاك روسو صنف الأمر الذي حدث في الفيلم ضمن خانة الخيال: “أن تكذب دون قصد جلب مصلحة أو إلحاق الأذى بك أو بغيرك فأنت لا تعتبر كاذباً، وما تقول ليس بكذب، بل مجرد تخيل” (تاريخ الكذب ص19).
وفي مكان آخر بين المصنفات التي تحكي عن قضية أخلاقية كبرى كالكذب، سنعثر في كتاب “الحقيقة. لمحة مختصرة عن تاريخ الهراء” للصحافي والكاتب الفكاهي توم فيليبس على تحديد مهم للفرق بين الكذب البسيط وبين سردٍ آخر يبنى في جزء منه على الواقع، ولكن قوامه يتجاوز الخيال البريء ليحمل في الكثير من الأحيان أذية حقيقية تَلحقُ بمن ينطلي عليهم، هذا السرد هو “الهراء”!
إنه ينسخُ من الحقائق ما يناسب خطابه، ولكنه يمضي نحو عدم الاهتمام بها، ولهذا يمكن “بناء بيت من الهراء باستخدام مداميك من الصدق” ولكن في الآن نفسه وكما يقول هاري جي فرانكفورت في بحثه الخاص بالموضوع ذاته فإن “عدم الاهتمام بحقيقة الأشياء، هو أساس الهراء”!





نحن الآن وفي حديثنا الواقعي تائهون بين ضفة الكذب وبين ضفة الهراء، وهذا الواقع لا يُغرقنا فقط في الوقائع الثقافية والفنية العامة التي نعيشها يومياً، بل هو يُكمل شد الحبال على أعناقنا في المنحى السياسي قبل أي منحى آخر!
لقد بُنيت السياسةُ على الكذب و”التاريخ ما انفك يعلّمنا أن الكذب السياسي، نشأ بنشأة المدينة نفسها” بحسب ألكسندر كواريه في تأملاته عن الكذب، كما أن الأنظمة الشمولية” جدّدت في الكذب أيّما تجديد”! حتى أننا بتنا نحتاج لوضع معطيات حربنا ضدها تحت المجهر لفحص كل شيء يتناهى إلينا عنها، لئلا نصبح ضحايا للهراء الذي تقترحه علينا ونحن في ضفة معارضتها!
بعض شخصيات المعارضة السورية وعلى سبيل المثال لا الحصر تنساق إلى تلك الأخبار التي تسربها صحف ووسائل إعلامية روسية عن فساد نظام الأسد، ولكنها تستغرق زيادة عن الحد المقبول في تصديق ما يردها من هراء، فتعيد إنتاج السردية ذاتها وتوجهها إلى الجمهور المتعطش لأي خبر يقود إلى نهاية ما لمأساته المستمرة منذ حوالي عقد من الزمن!








لقد ثبت أن بشار الأسد لم يبتع لقرينته لوحة فنية بقيمة 30 مليون دولار، ولكن هذا الادعاء الذي يبدو ملفقاً ضمن هجمات الحرب الدائرة بين آل مخلوف وآل الأسد، تحول إلى حقيقة راسخة، وصار من إيحاءات تبدل الموقف الروسي من النظام، بالتراصف مع مقالات المواقع الروسية التي عرّضت بما يجري في دوائره، وأدعت أن استبياناً للرأي أجري في مناطق النظام (من دون ذكر أين بالتحديد، ومتى، ومن هي الشريحة المستهدفة) أكد أن الأسد لن يكون على كرسي الحكم بسبب النتائج، التي أظهرت ميل المشاركين إلى عدم منحه أصواتهم في الانتخابات الرئاسية!
لقد غيرت سرديات التلفيق الروسي هذه مزاج المعارضين السوريين، فتحول وبفعل قدرة الهراء على الأذى، من يأسٍ كامل، إلى تفاؤلٍ شبه أعمى بأن الأسد راحلٌ قريباً، رغم أن كل المعطيات التي استُند عليها لتشكيل مثل هذه القناعة الكبيرة والثقيلة جرى نقضها بعد فترات وجيزة، من مثل تبيان أن الانسحاب العسكري الإيراني إنما هو مجرد إعادة انتشار، وأن الروس لن يفرطوا بالأسد كشريك استراتيجي بحسب تصريحات متتالية كان آخرها تصريح السفير الروسي في دمشق بأن روسيا لن تترك أصدقاءها السوريين وأنها لا تتسامح مع الإرهابيين أبداً.
آخر ما تناقله معارضون سوريون ضمن هذا السياق كانت حكاية “الـتأكيد عن أن حدثاً كبيراً سيجري في دمشق”!
القصة التي بدأت بمنشور لنجل وزير الدفاع الأسبق المعارض فراس طلاس على صفحته الشخصية نشره في سياق الحدث بين رامي مخلوف وأسماء الأخرس قرينة بشار الأسد، تطورت على يد المعارض كمال اللبواني ليؤكد بدوره عبر منشور فيسبوكي أن هذا الأخير سيرحل خلال ستة شهور! وأنه ما على السوريين سوى ترقب الحدث في أي وقت ضمن هذه المدة! ثم ما لبث أن وضع على صفحته منشوراً يتحدث عن أسماء أعضاء المجلس الأمني العسكري الذي سيدير المرحلة الانتقالية!
أيمكن وضع ما يطرحه اللبواني وغيره ضمن تصنيف الكذب البريء الناتج عن قناعة أو عن تصديقهم للهراء الروسي السائد عن ترحيل الأسد؟






المشكلة في الأمر أن قاعدة الكذب البريء تنسبُ عادةً إلى العامة والبسطاء، الذين تراهم يملؤون صفحات التواصل الاجتماعي بصخب الحماسة للانتصار على الزمرة الدموية الحاكمة في دمشق، ولكن حين يتصل الأمر بالسياسيين فإن الأكاذيب التي يُصدقونها ويقومون بترويجها لا بد ستحال إلى أعراض أصعب في عملية تحليل الكذب، إذ ليس من المعقول أو المتوقع أن يقوم المرء بالكذب على نفسه! فالكاذب على نفسه يحاول أن يجعل أمنياته حقائق، وهذا ممكن جداً، ولكن هناك كارثة تتولد من سلالات الكذب والهراء والأمنيات التي تلبس قناع الحقائق، خاصة حين تصدر من سياسيين، ويتلقفها الجمهور، ويتولاه الاعتقاد بها، ثم يكشفُ الواقع أنها غير صحيحة، هذه الكارثة تتمثل في أن الإحباط الذي ينتج عن ذلك يصبحُ أكبر من مجرد انكشاف شائعة، وليصبح فقداناً نهائياً للأمل بالتغيير!






جوناثان سويفت عبّر عن صعوبة إصلاح مثل هذه الكوارث إذ قال: “الأكاذيبُ تطيرُ والحقيقةُ تعرجُ لتلحق بها”، وطالما كانت شخصيات المعارضة تطيّر أكاذيبها وهراءها، فإن الوقائع كانت ومنذ وقت طويل تضعها على قدم المساواة مع النظام لجهة الكذب والادعاء، ولعل الحقيقة الباقية والراسخة حتى الآن هي يقينُ الجمهور بفشل هؤلاء المعارضين، وعدم جدارتهم بتصدر المشهد المعبر عن الثورة!
المصدر: المدن
الاسمبريد إلكترونيرسالة